هاتفك الذكي النقال! نعم جهازك الذي لا يكاد يفارق يدك حتى خلال نومك المضطرب, الذي طرح للامتثال أمام المحكمة بتهمة التسبب بالسرطان منذ عقدين من الزمن وتزايدت حدة الاتهامات ولم تهدأ قط.

قبل الخوض بتفاصيل تلك المحاكمة لنستعرض قليلاً كيف يعمل الهاتف؟

تنبعث من هاتفك نوعٌ من أنواع الطاقة الكهرومغناطيسية تسمى بموجات تردد الراديو radio frequency waves الواقع بين مدى تردد موجات ال إف إم FM radio waves  و موجات المايكروويف. يطلق الهاتف إشارات لأبراج الهاتف باستخدام هذا النوع من الأمواج.  فهناك قلق متولد تجاه تسبب هذا النوع من الطاقة بأنواع من السرطان أو زيادة نسبة الخطر بالإصابة بسرطانات الدماغ والرقبة. وكما موجات المايكروويف وموجات الإف إم والضوء المرئي والحرارة وأخيراً موجات تردد الراديو, إذ تعتبر جميع هذه الموجات من نوع الطاقة الإشعاعية الغير أيونية non ionizing radiation  المختلفة تماماُ عن الطاقة الأقوى الأيونية ionizing radiation  مثل أشعة غاما والأشعة الفوق بنفسجية وأشعة إكس التي باستطاعتها تشويه الرابطة الكيميائية في الحمض النووي DNA. ففي مستويات عالية من ال RF waves  فبمقدرتها رفع درجة حرارة أنسجة الجسم لكن المستويات المنبعثة من الهاتف النقال منخفضة جداً ولا تكفي فعلاً لرفع درجة حرارة الأنسجة.

ماهي العوامل التي تساعد في رفع مستويات ال RF waves وتعرضها لأنسجة الجسم؟

إذ أن النسيج الأقرب للهاتف هو المتعرض لهذه الطاقة هناك عدة عوامل تساعد في زيادتها:
  • كمية الوقت المستهلك في استخدام الهاتف.
  • استخدام وضعية مكبر الصوت أو سماعات الهاتف التي من شأنها تقليل مدة إمساك الهاتف قريباً من الرأس.
  • المسافة بين الهاتف وبرج الاتصالات: إذ تزيد الطاقة المنبعثة كلما زات المسافة عن البرج للحصول على أفضل إشارة التقاط.
  • ازدحام الهواتف النقالة في منطقة معينة: إذ تزيد الطاقة المنبعثة في ازدحام الأجهزة للحصول على أفضل إشارة التقاط.
  • نوع الجهاز المستخدم: هناك أنواع أجهزة هاتف تطلق مستويات أعلى من تلك الطاقة.

هناك قلق متزايد فيما إذا كان استخدام الهاتف المتزايد قد يسبب أنواعاً من السرطانات الخبيثة والغير خبيثة في الدماغ أو الأورام الغير سرطانية في العصب الممتد من الدماغ للأذن أو حتى نوعاً من الأورام الغير سرطانية في الغدد اللعابية. لكن ماهي الدراسات المطروحة بهذا الصدد؟

هناك نوعان من الدراسات المطروحة: الدراسات المجرية على فئران المختبر والدراسات البشرية كذلك,

أما بالنسبة للدراسات الحيوانية, ففي دراسة أمريكية رُشحت من قبل منظمة الغذاء والدواء الأمريكية أطلقت في عام 2016 تم تعريض الفئران الواقعة تحت الدراسة لجرعات ال  RF waves بجرعات أعلى من تلك المنبعثة من الهاتف النقال منذ كانت أجنة وحتى 106 أسابيع بعد الولادة أي بمعدل سنتين تقريباً حيث أظهرت النتائج إصابة الفئران بشكل واضح بنوع من سرطانات القلب. كم أجريت دراسة من قبل البرنامج الأمريكي للسموم  National Toxicology Program في أضخم دراسة نُظمت لدراسة تأثير الأشعة الغير أيونية بناءاً على مجلة scientific American  إذ أجريت الدراسة على 3000 فأر وجرذ وكانت النتائج بإصابة الفئران بسرطانات الدماغ والغدة الكظرية.

لننتقل للأهم هنا للدراسات المجرية على البشرية فقد صرحت جمعية السرطان الأمريكية وجود عدد من الدراسات المجرية على مجموعتين من الناس case control studies  إذ قورنت مجموعة من مرضى سرطانات الدماغ بأخرى غير مصابة وتم النظر في تاريخ استخدامهم للهاتف النقال. النتائج كانت مختلطة كالتالي:
  • في معظم الدراسات لم يصرح المصابون بسرطان الدماغ استخدامهم للهاتف النقال بمعدل أعلى من المجموعة الغير مصابة control group.
  • في معظم الدراسات أيضاً لم تدرس علاقة كمية الجرعات الRF waves المنبعثة وعلاقتها بالإصابة بسرطانات الدماغ dose- response relationship  والتي قد تكون عامل خطورة للإصابة إذا كانت فعلاً تلك الموجات مسببة للسرطان عند استخدام الهاتف لفترات طويلة.
  • معظم الدراسات لم تعرض فيما إذا كان الشخص المصاب قد أصيب بهذا السرطان في الجهة من الرأس التي تعود وضع هاتفه عليها. وهذا يمكن توقعه فيما ثبت قطعياً وجود علاقة بين استخدام الهاتف والإصابة بسرطان الدماغ.
  • بعض الدراسات صرحت بوجود علاقة ممكنة. ففي بعض الدراسات المنشورة المجرية في السويد وجدت علاقة بين الإصابة بسرطان الدماغ وجهة الرأس الممسك عليها الهاتف، لمدة عشر سنوات من استخدام النقال، لكن لا يمكن الجزم بذلك لعدم تطابق نتائج دراسة هذه المجموعة البحثية مع دراسات أخرى.

أما بالنسبة لرأي منظمة الصحة العالمية WHO والوكالة العالمية لأبحاث السرطان IARC  فقد صنفت استخدام الهاتف ك “مسرطن ممكن” groub2B  , أي أنه لا يمكن استبعاده كمسبب للسرطان وبذات الوقت صعوبة إثبات العلاقة, وقد تم التصنيف بناءاً على تزايد نسب الإصابة بنوع من أنواع سرطانات الدماغ الخبيثة Glioma  وعلاقته باستخدام الهاتف النقال بشكل مطول.
كما جدر تسليط الأضواء قليلاً على أهم ثلاث دراسات معمولة بهذا الصدد:
  • دراسة اللإنترفون The Interphone Study : إذ تعتبر هذه الدراسة الأضخم من نوع case control study عبر 13 دولة على أكثر من 5000 شخص وكانت النتائج تشير إلى عدم وجود علاقة بين الإصابة بسرطان الدماغ ال Glioma وتكرار استخدام الهاتف ومدة المكالمة الجارية أو استخدام الهاتف لعشر سنوات فأكثر, بينما وجدت علاقة بالإصابة بسرطان الدماغ ال meningioma  بنسبة 10%  من الأشخاص ولكن صعب إيعاز سبب الإصابة باستخدام الهاتف لوجود عوامل ومشاكل صحية أخرى ساهمت بإصابة هذه النسبة.
  • الدراسة الدنماركية The Danish Cohort Study : إذ أجريت في الدنمارك على 400,000 شخص بين المدة الواقعة بين العامين 1982-1995 وتمت مقارنة مجموعة لديها اشتراك خط هاتف بهؤلاء الذين لا يملكون اشتراك خط هاتف. النتيجة باختصار بعدم وجود علاقة بين الإصابة بسرطان الدماغ واستخدام الهاتف. ولكن هناك تفسيرات أخرى لهذه النتيجة بأن معظم هؤلاء الأشخاص لديهم اشتراك هاتف لكن لم يقوموا باستخدام هواتفهم, كما أن استخدام الهاتف قديماً لا يمكن مقارنته بطريقة استخدام الناس لهواتفهم الذكية بإدمان كما الآن.
  • دراسة المليون امرأة The Million Woman Study: حيث أخضعت 800.000 امرأة في بريطانيا في دراسة تبحث في المؤثرات مستقبلاً prospective study على مدة سبع سنوات منذ بداية الدراسة للواتي صرحن على استخدامهن المطول للهاتف, لم توجد علاقة بين استخدام النقال والإصابة بسرطان الدماغ, لكن وجدت علاقة ممكنة بين استخدام الهاتف المطول والإصابة بنوع السرطان Acoustic Neuromaوهو سرطان غير خبيث يصيب العصب السمعي الذي يربط الدماغ بالأذن الداخلية.
الخلاصة: هناك جدل واضح على ربط علاقة وطيدة بين الإصابة بالسرطان واستخدام الهاتف لصعوبة إجراء هذا النوع من الدراسات على الفئة البشرية لتكاتف عوامل عدة وبالتالي عدم دقتها والحاجة ببدء دراسات حديثة مطولة على الجيل الحالي إذ أن استخدامه للهاتف الذكي أصبح يعد بمثابة الإدمان. فيما تم السيطرة على الفئة الحيوانية في بيئات مخبرية وجرعات مدروسة يستحيل تطبيقها أخلاقياً على البشر. أخيراً الاعتدال باستخدام الحاجة يعد ضرورياً لتجنب عواقب ممكنة الحدوث كما أشارت الدراسات. مع تمنياتي بدوام العافية والصحة والشفاء العاجل لمحاربين الأمراض حول العالم.
قائمة المراجع: الروابط بالأزرق ضمن النص

عن الكاتب

Lina Khaled

ممرضة أطفال سابقة لدى مركز الحسين للسرطان , أعشق الترجمة و لدي شغف وليد في الكتابة و المواضيع المرتبطة بالصحة و تقصي صحتها .

Loading Facebook Comments ...