الدماغ، ذلك العضو المثير للدهشة، المديرُ المبهر الذي يدير اجسادنا وذواتنا بشبكته المعقدة من الخلايا والنواقل العصبية. هو مدير منضبط دقيق، كل شيء عنده مهما صغر تأثيره عظيم؛  ميليغرامات كافية من ناقل السيريتونين تجعلك انسانا سعيدا يرى العالم مليئا بالورود والفراشات، وميليغرامات ناقصة منه قد تجعلك مكتئبا يائسا تفكر بانهاء حياتك، او تعاني مع الوسواس القهري او تصاب بنوبات هلع.
مليغرامات زائدة من ناقل الدوبامين قد تجعلك تسمع اصواتا لا يسمعها غيرك، ومليغرامات ناقصة منه قد تجعل حركة جسدك تضطرب وتصاب بشلل الرعاش/Parkinson.
أتذكر اول مرة وقعت فها بالحب؟ اتذكر كيف شعرت بان قلبك يطير في الفضاءات الرحبة من السعادة؟ كان ذلك تأثير الدوبامين الذي افرزه دماغك! أليس مدهشا ان مقدارا صغيرا من ناقل عصبي كفيل بتغيير مسارات حياتك؟

 

 لذلك وُجدت الأدوية النفسيّة؛ لاستعادة توازن النواقل العصبيّة الموجودة في الدماغ عندما تضطرب وتسبب مشاكل نفسيّة.
ولكن قبل الحديث عن الأدوية النفسية، علينا أن نوضح بعض النقاط:

أولاً  هناك ‘ثقافة عيب’ تحيط بمجال العلاج النفسي تمنع الناس من طلب المساعدة او أخذ الأدوية النفسية، خوفاً من الوسم بالجنون، ولكن هل تعلم أنّ مرضى الفصام/schizophrenia -المرض الذي يوصفُ خطأً بالجنون- نسبتهم 1% فقط من عامة الناس، بالتالي هو من أندر الأمراض النفسية الموجودة. ماذا عن ال99% الباقين من الناس الذين قد يصابوا بمشاكل نفسيّة أخرى؟
هناك من الناس من يعاني بصمت من اضطرابات القلق، الاكتئاب، ثنائي القطب، الهلع.. الخ، لكنهم يرفضون السعي في طلب العلاج لسنين طويلة. مع أن علاجهم كان من الممكن ان يكون سهلاً بسيطاً وأن يغيّر مسار حياتهم للأبد. لكنهم ارتأوا أن يبقوا في دوامة الألم و المعاناة التي استنزفت طاقاتهم وقدراتهم وانتهت بهم في مكان تعيس بالحياة، كل هذا حتى لا يظنهم الناس مجانين!

ثانيا مرض الفصام/schizophrenia الذي يوصف ظلماً بالجنون، هو مرض ناتج عن زيادة الناقل العصبي الدوبامين في الدماغ، مما يُفقد الشخص الاتصال الكامل مع الواقع، وعندما يتم علاج مريض الشيزوفرينيا واعادة التوازن لكيمياء دماغه تكون النتائج مبشّرة، وقد يسترجع المريض قدراته كاملة ويكون عنصر فعال في المجتمع، هناك شخصيات اكاديمية ورياضية وفنية مشهورة لديها هذا المرض، و مع ذلك قدموا للبشرية ما لم يقدمه أي منّا نحن ‘الأصحّاء’.

الرسام فان غوخ، من اشهر الشخصيات التي يعتقد انها كانت مصابة بالفصام/ schizophrenia.

احدى اللوحات المشهورة للفنان

إذن ليس من المُعيب أن نطلب المساعدة النفسيّة اذا احتجناها، أتمنى انّ نكون مُتفقين على هذه النقطة الآن.

بعد ان يرى الطبيب النفسي الحالة ويعاينها، يقترح طريقة العلاج المُناسبة التي لا يُشترط أن تكون دوائيّة، فمثلاً قد يقترح الطبيب الارشاد السلوكي إذا رآه مناسبا. ولكن إذا حصل ورأى الطبيب ان الحل يكون بالعلاج الدوائي، فإليك بعض التساؤلات التي قد تظهر في بالك مع الرد عليها:

  • لمَ لا اكون قوياً وأحل مشكلتي بنفسي دون تدخل دوائي؟

    الأشخاص المستقرّون نفسيا في هذا العالم لديهم جينات وكيمياء دماغ جيدين، كانت لديهم طفولة سعيدة بما فيه الكفاية، لم يمروا بصدمات كبيرة بحياتهم، وكانت لديهم الفرص والموارد والمساعدة الكافية للوصول إلى ما يريدون.
    هم لم يكونوا اقوى منك بل كانوا محظوظين اكثر منك؛ انت لم تمتلك الذي امتلكوه، فكيف ستحلّ مشكلتك بالقوة فقط؟ الامر شبيه بأن يرفض شخص لديه قصر نظر ان يرتدي نظارة طبيّة و ان يطالب نفسه بأن يكون قويا كفاية ليصلح نظره دون مساعدة!

  • لمَ لا أحسّن أسلوب حياتي اولاُ؟

    صحيح أن الأشخاص السعداء يتّبعون أساليب حياة صحيّة؛ يتحركون كثيراً، يأكلون صحياً، و يعرفون طرقًا للاسترخاء والاستمتاع. لكنّ المشكلة أن الاكتئاب أشبه بالثقب الاسود الذي يبتلع الانسان ويسيطر عليه تماماً، كيف تريد من شخص فاقد لكل مشاعر الفرح والمتعة ويكره الحياة بكل ما فيها ان يقرأ عن فوائد السبانخ!
    ومن الصعب الاسترخاء او الخروج والاستمتاع اذا كنت تعاني من واحد من اضطرابات القلق كاضطراب الهلع.
    بالإضافة إلى ان تحسين “نمط الحياة” لا يعالج اضطرابات المزاج.
    النبأ السار هو أنه بعد أخذ الدواء والبدء بتحسين كيمياء الدماغ والسيطرة على بعض اعراض الاكتئاب و القلق، وقتها يمكنك الذهاب للنادي وحَسب سعراتك الحرارية والبحث عن فواد السبانخ طوال اليوم.
    الملخص: ابدأ بالعلاج الدوائي كي تضبط كيمياء دماغك و تستقر حالتك، ثم حسّن اسلوب حياتك، وقتها سترى نتائج مبهرة؛ عندما تجمع العلاج الدوائي مع السلوكي دون اهمال واحد على حساب الاخر.

  • لا اريد ان ادخل مواد غير طبيعية الى دماغي.

    نأكل يوميّا فيضاً من الاطعمة المليئة بالملونات والمنكهات الصناعية والتعديلات الجينية والهرمونية، لن تكون هذه الادوية اوّل مواد غير طبيعية ندخلها الى اجسادنا. اتفق انّ فيها جانبا سيئا واعراضا جانبية كثيرة، لكنّ الاكتئاب والقلق يمكن أن يكونا موهنين ومرهقين لدرجة لا تطاق، إنّ الحياة الخالية من هذه الاضطرابات النفسيّة هي حريّة لا يمكنك تخيّلها!
    ايهما تريد؟ ان تنعم بهذه الحرية الجميلة ام ان تتجنب الاعراض الجانبية التي يحملها الدواء وتبقى في جحيم اكتآبك وقلقك؟

  • لا أريد أن أحسّن مزاجي بشكل غير طبيعي.

    إذا كانت الأدوية تعمل فلن تشعر بشيء غير طبيعي، سوف تشعر أنك نفسك ولكن النسخة المستقرة الافضل من نفسك.
    لنشبّه الأمر بشخص يعاني من السكريّ وصار يأخذ حقنا من الانسولين، هل هو يحسن صحته بشكل “غير طبيعي”؟ أم أنه ما زال نفس الشخص ولكن بحالة طبية مستقرة بدلا من الحالة المضطربة القديمة؟

  • تناول الدواء يعني ان يلتصق عار المرض النفسي بي!

    من الظلم ان يحصل الاضطراب العقلي/ العاطفي/ النفسي على سمعة سيئة وهو كالمرض الجسدي تماما، يحصل لأسباب شبيهة؛ بعضها وراثي ، وبعضها بيئي ، وبعضها يمكن أن يتفاقم أو يتحسن بناء على السلوكيات. المشاكل النفسيّة لا تعني الجنون. ولا تحدث بسبب ضعف الايمان و البعد عن الله، بعض مرضى الاضطرابات النفسيّة اكثر إيمانا وتديّناً من كل الذين يتهمونهم بضعف الايمان.

  • لا أريد أن أدْمِن على هذه الأدوية.

    معظم الأدوية النفسة المُستخدمة لا تؤدي للادمان، باستثناء بعض المهدئات ذات الاستخدام المَحدود واجراءات الضبط الكبيرة، طبيبك لن يُخرجك من مُشكلتك الأصليّة ويدخلك في مشكلة إدمان! هو يدرك هذا جيّدا ويهتم به مثلك تماما. عليك ان تناقش مخاوفك مع طبيبك وتخبره ما الذي تريده من العلاج، و هو سيختار لك دواءَ مناسبا لك وسيشرح لك بالتفصيل ابعاد الدواء الذي ستأخذه: اعراضه الجانبية، هل يسبب الادمان ام لا، هل هو آمن على الحمل، فترة العلاج.. وغيرها من الاسئلة المهمة.

 

أخيرا ابحثوا واقرأوا بعناية عن الاعراض التي تمرون بها، اتخذوا قراراتكم بحكمة، و كونوا بخير وسعادة..

المصادر:
مصدر1
مصدر2
مصدر3
مصدر4
مصدر5
مصدر6
مصدر7

عن الكاتب

Ala' Bani Ismail

Loading Facebook Comments ...