لطالما أحدثت تلك الاعلانات المروّجة  للمشروبات الغازية الخالية من السكر ضجة في عالم الصحة  العامة مما  دفع العلماء إلى إجراء بحوث علمية لا حصر لها عن مضار مادة ” الأسبارتم Aspartum ” التي توجد في معظم المحليات الاصطناعيّة و كذلك المشروبات الغازية الخالية من السكر التي تدعي مساهمتها في إنقاص الوزن.

كيف انضم “الأسبارتم ” لعالم الغذاء؟

مادة الأسبارتم اكتشفها الكيميائي James M. Schlatter بالصدفة عام 1965 في معمله عندما لوث اصبعه بمادة ما فأصبح إصبعه دبقاً بعد ثوانٍ معدودة, فتذوقها فكانت حلوة المذاق ومن هنا كانت بداية ثورة المحليات الاصطناعية.
قبل الحديث عن الدراسات المتعلقة بتلك المادة و فهم تلك الدراسات العميقة, فلنذكر بالضرورة ماذا يحدث عند ابتلاع هذه المادة في أجسامنا.

يتحلل الأسبارتم إلى ثلاث مركبات كيميائية في الجسم :

  1. أسبارتيك أسيد Aspartic Acid : و هو حمض أميني يتواجد بشكل طبيعي في أجسامنا يساهم في عمل النواقل العصبية.
  2. الفينيل ألانين phenylalanine : وهو حمض أمينيّ يتواجد بالجسم بشكل طبيعيّ بنسبة لا تزيد عن 1 mg/dl، نحصل عليه من الغذاء البروتينيّ المصدر حيث يكون مصاحباً لأحماض أمينيةّ أخرى تساهم بتوازن مستويات بعضها البعض.
    يعتبر مصدراً أساسياً في صناعة النواقل العصبية وتنظيم عمل الغدة الدرقيّة.
  3. الميثانول methanol : الذي يتحلل إلى “الفورمالديهايد”  و هو ذات الناتج بكميات أكبر عن تحلل الفواكه أيضاً.
قد تبدو الأمور طبيعيةً لوهلة !!
و لكن عند البحث المطول سنجد أن دراسات عدة  تثبت أضرار هذه المادة على الجهاز العصبي مثل الصداع و الدوخة و الاكتئاب و الزهايمر و فرط الحركة وقلة الانتباه.
و هذا تحديداً ما تفعله كميات عالية من ” الفينيل ألانين ” إذ تعطل عمل نواقل عصبية مهمة مثل “السيروتونين serotonin” و “الدوبامين Dopamine” و تخل بتوازنها.
ومن الجدير بالذكر أن الفينيل ألانين يرتفع مستواه في الدم ثلاثة أضعاف المستوى عند استهلاك الأسبارتم  فوق الحد المسموح مقارنة بمستواه عند استهلاك غذاء بروتينيّ المصدر.
كما لا يكون مصاحبًاً لأحماض أمينية أخرى توازن مستواه بل يكون وحيدًاً وهذا ليس بالأمر الجيد.
علمًا بأن الاستهلاك اليوميّ المسموح  لمادة الأسبارتم حسب منظمة الغذاء و الدواء FDA هو 50 مغ لكل كيلوجرام من الجسم ومن الجدير بالذكر أن كمية الأسبارتم الموجودة في علبة البيبسي المعدنية الدايت سعة 355 مل هو 180 مغ تقريبًا.
فلنفترض أن شخصًاً يزن 70 كيلوجراماً، بعميلة حسابية بسيطة نجد أن هذا الشخص بحاجة لشرب 16 علبة بيبسي دايت في اليوم للوصول فقط للحد المسموح.
و لابدّ من ذكر أن الأسبارتم حلو المذاق ب200 مرة أكثر من السكر الأحاديّ، وهذا يعني أن كميًة قليلًة جدًاً فقط تلزم لجعل المشروب المضاف إليه حلو المذاق.
لذلك لا يوجد  دليلٌ قاطع ينوّه إلى ضرر تلك المادة على صحة الإنسان إذا تم استهلاكها ضمن كميات ضئيلة أقل بكثير من الحد المسموح المصرح به
.

 

إذن لنعد لنقطة البداية, هل تلك المشروبات الغازية الخالية من السكر أي المحلاة بالأسبارتم تساهم حقاً في إنقاص الوزن؟

كما نعلم عند استهلاك الكربوهيدرات خصوصاً البسيطة منها مثل السكر المضاف sucrose و هو الأكثر استخداماً في تحلية الطعام و المشروبات, ما لم تستهلك لتتحول إلى طاقة, فإن مستوى السكر يرتفع في الدم مما يحفز إفراز الإنسولين من البنكرياس فيساهم بدوره في عميلة تصنيع الدهون و تخزينها في الخلايا و تسمى هذه الأخيرة بال lipogenesis , فعلبة المشروب الغازي سعة 355ml تحوي 33 غراماً من السكر بينما علبة المشروب الغازي الدايت خالية من السكر تماماً و بإمكانك إثبات ذلك بغلي كلا المشروبين المٌحلاة و الخالية من السكر في وعائين منفصلين حتى التبخر و ستلاحظ ترسب السكر في وعاء المشروب الغازي المحلّى بينما يتبخر المشروب الغازي الدايت تماماً بدون رواسب سكرية في الوعاء الثاني.

 ولكن ماذا عن الضجة المتعلقة بتسبب مادة الأسبارتم بأنواع من السرطانات كسرطان الدم و سرطان الخلايا الليمفاوية و بعض من سرطانات الدماغ !!

حسب دراسات أُجُريت من قبل جهات عديدة تحدثت عنها جمعية السرطان الأمريكيّة، إذ أُخُضعت مجموعتين لدراسة علاقة مادة الأسبارتم بالسرطان حيث تعرضت إحدى المجموعتين للأسبارتم و الأخرى لم تتعرض لها، ومن الجدير بالذكر أن التجربة لم تكن دقيقة بحكم طبيعة الإنسان المتعرّض لمسببات سرطان كثيرة فيصعب التحكم بتلك الظروف. فعلى أية حال لم يكن هناك اختلاف بين المجموعتين بزيادة التعرض للسرطان.
في ذات الوقت توجد دراسات تنص بإصابة حيوانات مثل الفئران- إذ تم تعريضها لجرعات عالية جداً من الأسبارتم – بالسرطان و مشاكل عصبية أخرى، بالمقابل هناك دراسات على أنواع أخرى من الحيوانات لم تصب بالسرطان عند تعريضها للأسبارتم.
كما  أثبتت دراسة بريطانية أجريت في المدة الواقعة بين العامين 2009 إلى عام 2014 عدم حدوث تغيرات بيولوجية و استقلابية و نفسية و أعراض سريرية خطرة على الأفراد الخاضعين للدراسة المتعرضين لمادة الأسبارتم في غذاءهم.
و توجد دراسة واحدة تحدثت عنها جمعية السرطان الأمريكية بوجود علاقة بين استهلاك مادة الأسبارتم و حدوث سرطان الدم و الخلايا الليمفاوية و المايلوما المتعددة في الرجال فقط ولكنها عزت ذلك لمحض الصدفة !!! لذلك لا يوجد هناك دراسة قاطعة تجزم مدى ضرر هذه المادة بكمياتها الضئيلة على صحة الإنسان ،فلم تضطر منظمة الغذاء و الدواء لسحبها أو منعها.
ولن ننسى التنويه أن المرضى المصابين بمرض  “الفينيل كيتونيوريا” PKU وهو مرض وراثي إذ لا يستطيع الجسم تحطيم الحمض الأميني  فينيل ألانين فيتراكم بمستويات خطرة تسبب ضرراً في الدماغ ، إذا لا يمكن لهؤلاء المرضى استهلاك الأسبارتم نهائياً.
*ملاحظة: هذا المقال لا يشجع بالضرورة على استهلاك المشروبات الغازية .
مصدر1
مصدر2
مصدر3
مصدر4
مصدر5
مصدر6
مصدر7
 

 

عن الكاتب

Lina Khaled

ممرضة أطفال سابقة لدى مركز الحسين للسرطان , أعشق الترجمة و تدريس اللغة الانجليزية و لدي شغف وليد في الكتابة و المواضيع المرتبطة بالصحة و تقصي صحتها . حلمي بأن أصبح بروفيسورة أكاديمية في مجال الصحة العامة و تمريض الأطفال .

Loading Facebook Comments ...