في كتابها  change of heart“تشرح الراقصة المحترفة الراحلة Claire Sylvia عن تجربتها الحياتية والصفات الجديدة المكتسبة بعد خوضها عمليةً لزراعة قلب ورئتين من متبرع توفي بعمر ال 18 إثر حادث دراجة مروع, تقول سيلفيا كانت في ال 47 عندما أخبرها الأطباء أنها تحتضر إثر مضاعفات مرضها بارتفاع الضغط الرئوي الذي أرهق قلبها ورئتيها وأنها بحاجة ماسة إلى قلب ورئتين جديدتين, وفعلاً حصلت على هذه الأعضاء في عملية جراحية فريدة من نوعها.
بعد حصولها على معداتها الحيوية الجديدة تصف سيلفيا المؤمنة بشكل كبير بالقوى الخارقة عشقها الغير معهود بمشروب البيرة الكحولي وقطع الدجاج المقلية وكانت المفاجأة عند تواصلها مع عائلة المتبرع “لاميراند” بأنه كان يعشق البيرة وقطع الدجاج المقلية ، إذ عزى العلم ما مرت به سيلفيا لنظرية الذاكرة الخلوية cellular memory إذ تنص هذه النظرية على: “الذكريات والخصائص الشخصية ليست مخزنة فقط في خلايا الدماغ بل أيضاً في خلايا الأعضاء”. بناءاً على تلك النظرية فإن الصفات الشخصية والتجارب والذكريات الشخصية تنتقل عند انتقال هذه الأعضاء “ذات الذاكرة” للمتبرع!!

يقول الطبيب Deepak Chopra  تعقيباً على كتاب كلير الشهير: ” هذه القصة يجب أن تُحكى وتُسمع على أوسع نطاق ، فهي مثال بارع على أن نظرية الذاكرة الخلوية تستطيع أن تفوق موت الجسد فحسب !!”
توفيت كلير بعمر ال 69سنة بعد 21 سنة من زراعة القلب والرئتين وقد تصدر كتابها قائمة الكتب الأكثر مبيعاً عام 1997 ولقيت كلير رواجاً إعلامياً ضخماً بعد تجربتها تلك وتم استضافتها في كثير من البرامج الاعلامية الضخمة وكان برنامج  The Oprah Winfray show  إحداها وتمت ترجمة الكتاب إلى 21 لغة, كما تم تجسيد القصة لفلم سينمائي ضخم أنداك بعنوان heart of a stranger.
حالة كلير في اكتساب صفات المتبرع الشخصية لم تكن الوحيدة, فتوالت الحالات التي تدعي ذلك وتوالت الأعمال السينمائية الضخمة التي تعزز نظرية الذاكرة الخلوية مثل ذك عازف البيانو الشهير الذي تعرض لحادث فقد يديه على إثره و تمت زراعة يدين له من متبرعٍ ما كان سابقاً قاتلاً مداناً فظهرت نزعة القتل الملحة في صفات ذلك العازف،
أو في ذلك الدور الدرامي المخيف الذي جسدته الممثلة الأمريكية ” جيسيكا ألبا” في فلمها الشهير “The Eye”  إذ كانت عمياء طوال حياتها لحين تلقيها قرنيتين من شابة مكسيكية توفيت إثر حادث قتل, بعد استعادة بصرها ترى جيسيكا أحداثاً تعرضت لها المتبرعة المتوفية أثناء عملية قتلها المتوحشة فتقرر في النهاية التخلص من هاتين القرنيتين للتخلص من تلك المشاعر المخيفة التي عاشتها. والكثير الكثير من الأفلام و الحالات التي تهافت العلماء على تفسيرها ووضع نهاية لهذا اللغز الطبي المثير للجدل تشريحياً وطبياً ونفسياً.

هل الحصول على عضو جديد يعني بالضرورة الحصول على شخصية جديدة ؟

بدون سيناريوهات و تصورات خيالية لفهم المنطق العلمي والبديهة الحاضرة, شخصياً لدي صديقة عزيزة مصابة بمرض التليف الرؤي الغير معروف السبب  IPF عن عمر ال 22 ربيعاً _شافاها الله وعافاها_ تنتظر دورها على قائمة زراعة الرئتين في إحدى المنشآت الطبية الضخمة, فهل يعقل أن صديقتي التي أحفظ تصرفاتها ومفضّلاتها قلباً لن تكون صديقتي بعد زراعتها لرئتين جديدتين؟ هل سأشهد تغيرات شخصية لم أعهدها قط فقط بعد عملية الزراعة؟ وفي حال حدوث تغييرات شخصية هل يمكن أن يعزى السبب للتغيرات الحياتية الجذرية المفروضة للحفاظ على الرئة الجديدة؟ هل يمكن أن تكون بسبب الأدوية المثبطة للمناعة مثلا؟ الحميات الغذائية و الرياضة الصحية؟ وهذا الطبيعي المتوقع فهناك العديد من الأسباب الخارجية ولا يمكن حصر السبب إن وجد لنظرية ال cellular memory  فقط.
تقول البروفيسورة في مجال البيبتايدات الدوائية Dr. Candace Pert  من قسم الفسيولوجيا والفيزياء الحيوية في جامعة جورج تاون, داعمةُ لنظرية الذاكرة الخلوية: ” إن الذاكرة لا تقتصر فقط على الدماغ, إنما توجد في كامل الجسد فالدماغ والجسد يتواصلان مع بعضهما خلال نواقل كيميائية تعرف بال peptides  وهي متواجدة في الدماغ والمعدة والعضلات والأعضاء الحيوية الرئيسية, وأنا أعتقد بشدة أنه يمكن الوصول للذاكرة في أي مكان في الجسد وجدت فيه شبكة البيبتايد ومستقبلاته Peptide/receptor network , فمثلاً ذاكرة الطعام توجد في البنكرياس والكبد وهذه الذاكرة تنتقل لشخص آخر عند استقباله لعضو مزروع.”

لنقم الآن بتقريب مجهري على دراسات منشورة على أرض الواقع, ففي دراسةٍ أجريت على مدى سنتين في فيينا وأستراليا ضمت 47 مشاركاً خضعوا لعميات زراعة القلب فقط, تم استدعائهم لمقابلات عدة وتم التعرف على إثر تلك الدراسة على ثلاث مجموعات من مستقبلين عضو القلب:
  • المجموعة الأولى: 79% من المشاركين في الدراسة صرّحوا بعدم حدوث تغيرات شخصية نهائياً بعد الخضوع لعميلة زراعة القلب بإظهار تصرفات دفاعية واضحة وإنكار تفاعلي عن طريق تغيير موضوع السؤال الموجه أو إظهار السؤال بطريقة سخيفة مضحكة.
  • المجموعة الثانية: 15% صرّحوا بحدوث تغييرات في الشخصية حقاً, ولكن أُرجع السبب بشكل واضح لتعرضهم لموقف حياتي مميز مؤلم هدد حياتهم بالخطر كالمرض العضال الذي استدعى حاجتهم لزراعة القلب للبقاء على قيد الحياة.
  • المجموعة الثالثة: 6% أي ثلاثاً من المشاركين فقط أشادوا بحدوث تغيرات درامية في شخصياتهم وإيمانهم المطلق بكون القلب الجديد أحدث تلك التغييرات الدرامية على مستوى الصفات الشخصية.

لتقديم تفسير متجانس منطقي يمكننا تلخيص حدوث التغييرات على مستوى الصفات المكتسبة بأن عملية زراعة عضو جديد هي عملية مرهقة للنفس والجسد فهي كناقوس خطر حياتيّ وجب دق صفارة إنذاره في مرحلة ما و بالإمكان مقارنته كحالة ” الوشك على الموت” near-death experience   إذ أن معظم عمليات زراعة عضو تُقرر فقط في حالة كان موت المستقبل وشيكاً.
فليس من المفاجئ وجود تغييرات درامية واضحة في عدد من هؤلاء المستقبلين للأعضاء وقد يتم تبربر هذه التغيرات التي قد تتطابق مع صفات وتصرفات المتبرع كأشياء يعشقها مثلاً بسهولة ، بفضول معظم المستقبلين للعضو الجديد وتوقهم للتعرف على عائلة المتبرع ومعرفة ما كان يحبه المتبرع أو يكرهه إذ يتأثر المُستقبل تباعاً بوعي أو بدون وعي بالقصص المحكية عن ذلك المتبرع المنقذ.
كما أن وجود ذكريات عند المستقبل تطابق تلك الذكريات للمتبرع لا يعني جزماً إثبات نظرية ” الذاكرة الخلوية” ومعنى أن الباحث العلمي عند اجتهاده بجمع تلك القصص المشابهة يُثبت أن الباحث جيد جداً في تحيزه العلمي “bias” وهذا ليس بالأمر الجيد الدقيق.
البرامج الوثائقية التي تعرض قصص حياة مستقبلي الأعضاء والتي تؤكد تلك النظرية منتشرة بكثرة, ولسنا متأكدين تماماً أن  تلك القصص المعروضة صحيحة وصادقة تماماً وليست مشوهةً بالزينة الإعلامية فقط لجذب المشاهدين.
دمتم في حفظ الله ورعايته وأتمنى تمام الصحة والقوة لجميع المكافحين ضد الأمراض في العالم.

 

قائمة المصادر غير الملون بالأزرق في النص :
مصدر1
مصدر2
مصدر3
مصدر4

 

عن الكاتب

Lina Khaled

ممرضة أطفال سابقة لدى مركز الحسين للسرطان , أعشق الترجمة و لدي شغف وليد في الكتابة و المواضيع المرتبطة بالصحة و تقصي صحتها .

Loading Facebook Comments ...