كانت الجلسة السادسة والأخيرة للسيد خ.م من جلسات الكيماوي ، خ.م تم تشخصيه بسرطان البنكرياس بداية العام الفائت وبعد جلسة مع العائلة وأيام من التفكير والدعاء قرر أخذ الخطوة الحاسمة ببدء جلسات العلاج الكيماوي ، حتى وصل الجلسة السادسة والأخيرة. انتهت جلسته الأخيرة وبدأت قصته مع الخرافة.

كانت الجلسة الأخيرة له من الدورة الأولى ، أخبره الأطباء أنه الآن في تحسن ملحوظ وعليه أن يحظى ب21 يوم من الراحة ليتهيّء جسده لبدء الدورة الجديدة ، في تلك الفترة سمع خ.م عن ما يسمى بـعشبة العلندة. أخبره صديق العائلة أن هذه العشبة لها فوائد لا يمكن تصورها ، هي أشبه بسحر وعلاج ربّاني غفل عنه الملايين وعرفها هو ، وبالعلامة عالجت صديق لا يذكر اسمه! مساءًا أخبرته زوجته أن ابنة خالها تعرف عطّار ينصح بها أيضاً ، ليس ذلك فقط بل وصلتها أيضاً عشرات الرسائل عبر الواتساب تتحدث عن فوائد هذه العشبة السحرية.

عشبة العلندة

جلس خ.م على لابتوبه في شرفة منزله كما عادته ، بدأ بالبحث عن عشبة العلندة وقدرتها على علاج السرطان ، أقنعته الدراسات والتجارب والقصص التي وجدها بمجرد كتابة اسم هذه العشبة على جوجل ، وبدعم من زوجته وأصدقاءه وبعض رسائل الواتساب قرر أن يستغل شهر الراحة الذي وصفه له الأطباء بتناول عشبة العلندة بشكل يومي. في نهاية الشهر أصيب خ.م بتليف الكبد قلّت مناعته إلى أدنى حد ، وجدت خلايا السرطان الفرصة لتتكاثر وتزداد عدداً وحجماً ، توفي خ.م قبل بدأ جلسة العلاج الجديدة بثلاثة أيام.

لندع العلم يتحدث .. ولكن أولاً ما هي عشبة العلندة؟

تسمى كذلك بالفدر أو القعود أو العليق وباللاتينية Ephedra وتنتشر في البيئات الجافة في مناطق الوطن العربيّ وفي البحر الأبيض المتوسط وكذلك في جنوب أمريكا و في الصين. (1)

هنا نعرض انفوجرافيك للجدول الزمني للتقييم العلاجي لعشبة العلندة: 

ابتداءاً بالعلاج الصيني وانتهاءاً بآخر أبحاث منظمة الغذاء والدواء عام 2003م : (2) (3)

نعم عشبة حذّرت منها منظمة الغذاء والدواء عام 1977م ومنعتها بشكل تام في 2003م ، يتم استعمالها في الوطن العربي كعلاج للسرطان!.

في حوار أجريناه مع العالمة د.علياء كيوان – من جامعة هايدلبرغ والباحثة في مركز السرطان الألماني.

توضح لنا د.كيوان بشكل واضح وبناءاً على دراسات تضم على أكثر من 16 ألف تقرير ،  إلى أنّ “عشبة العلندة ” خطيرة وتؤدي إلى الموت. تقول د.كيوان: من ضمن الحالات الموثقة؛ وفاة لاعب البيسبول ستيفن بيكل -ابن بتيمور أوريولز- البالغ من العمر 23 عامًا، بسبب استخدامه لمدعمات غذائيّة لتخفيض الوزن إحتوت على المادة الفعالة في “العلندة” وتدعى Ephedrine أدت لتشنجات شديدة وفشل وتوقّف أيضًا في وظيفة كافة أعضاء جسمه مما أدى ذلك لوفاته.

نستعرض هنا الأثار الجانبية لهذه العشبة التي يتم الادعاء أنها تعالج السرطان! : (4)

لكن لنضع أنفسنا مكان خ.أ.م ، ماذا لو ذهبنا إلى جوجل وكتبنا : ” العلندة السرطان … ” فما الذي سيظهر لنا ؟

من الجدير بالذكر أن احصائيات جوجل تشير لنا بزيادة تقدر بـ1600% بمعدل البحث عن كلمة ” العلندة ” خلال الـ4 سنوات الماضية وهو رقم مهول ويشير إلى الانتشار الكبير لهذه العشبة بين عامة الناس.


ولكن الصدمة الحقيقية هي عند إحصاء ومراجعة المقالات التي تظهر لك في الصفحة الأولى تم رصد أكثر من 70 خطأ علمي ، كل مستطيل أحمر يدل على خطأ علمي ، قد يؤدي الخطأ الواحد منها إلى تعجيل وفاة مريض السرطان أو حتى الانسان السليم بشكل كبير ومتسارع ! ومن هنا جاء عنوان هذا التقرير ، أنقتل الخرافة أم ننتظر لتقتلنا ؟ انتشار الخرافات ليست مزحة بريئة أو خطأ بسيط لا تأثير له! .. الخرافة قادرة على قتلنا بكل ما تحمل الكلمة من معنى!

تقول د.كيوان: بعد معرفة كل هذه الدراسات وكل الأعراض الجانبية للإستخدام المفرط لهذه العشبة لن يكون هناك مجال للمخاطرة في تناولها، و ربما هناك الكثير من المرضى الذين وافتهم المنية من تناولهم هذه العشبة ولا يدري أحد أنّ سبب وفاتهم ربما كانت من الأعراض الجانبية الخطيرة لهذه العشبة وليس من السرطان نفسه.
في دراسة نشرت عام ٢٠١٦، وثقت أنّ بعض مستخلصات “العلندة” شوهد لها قدرة على تثبيط حركة الخلايا في طبق المختبر (راجع مقال القشطة ) من خلال تثبيط جينات سرطانيّة مهمة مثل   Tyrosine kinase و c- Met. 

ولكن مريض السرطان غير قادر على مقاومة آثارها الجانبية بالتالي لا توجد دراسات فعليّة على المرضى والدراسات على مرضى السرطان قليلة جدًا ولا فعالية مشهودة لها. (5) (6) (7)

إن الخرافة لا تشكل خطر على المرضى فقط ، بل حتى المواليد الجدد الذين لم يختبروا شيئاً من الحياة بعد ، يبدؤوا حياتهم بمعاناة بسبب الخرافة.  في الآونة الأخيرة ظهرت العديد من الحركات التي تنادي بإيقاف حملات تطعيم الأطفال Anti-vax campaigns.

حيث إنها ربطت بينها وبين التوحد Autsim وهو أحد أهم الأمراض المنتشرة في الوقت الحالي ، وكان اللقاح 💉 الأكثر إستهدافاً هو المطعوم الثلاثي المعروف بــ MMR vaccine ونتيحة لهذا الادعاء فحسب بحث نشر في BMJ فإن العالم شهد زيادة بحالات الحصبة في الثلاثة أشهر الاولى من 2019 بنسبة 300%. 

ما هو اللقاح Vaccine ؟ 💉

اللقاح هو دواء مُعد بيولوجياً يعمل على تحسين المناعة ضد مرض  أو مجموعة أمراض ، بحيث يحتوي في تركيبته على الميكروبات الميتة أو الضعيفة أوعلى سموم الميكروبات أو أحد بروتيناتها المهمة ، وهذا كله يعمل على تحفيز الجهاز المناعى وتنشيطه للتعرف على هذه الأجسام الغريبة هند دخولها إلى الجسم ومقاومتها ومن ثم تذكرها من قبل الخلايا الذاكرة في حال دخلت هذه الميكروبات إلى الجسم عن طريق عدوي (8).   

ولكن ما دام أكتشاف اللقاحات ساعد على حماية الإنسان منذ الطفولة من الموت المؤكد ، فلماذا ظهرت حملات Anti vax campaigns وطالبت بإيقاف عمليات التطعيم وربطتها بمرض يشغل العديد من الأهالي مثل التوحد Autsim و Autism spectrum disorder ولماذا تبعهم العديد من الناس ووتوقفوا عن تطعيم أطفالهم ؟.


أصل حكاية علاقة اللقاح بالتوحد

  • بدأت الحكاية عام ١٩٨٨ عندما نشر الطبيب أندريو واكفيلد Andrew Wakefield بحثاً يربط فيها إصابة الأطفال بالتوحد (9) جراء التعرض للقاح المطعوم الثلاثي MMR ، ونشر البحث في مجلة لانست Lancet ، ولكنه سرعان ما تم تصنيفه من البحوث السيئة وتم سحبه بسبب التلاعب بالبيانات،  وعلى  الرغم من ذلك خرج هذا البحث إلى الشارع العام ليثير موجة من القلق بين الأهالي ، وبدأت حركات تنادي بإيقاف التطعيم وتندد بالشركات الدوائية التي وصفت بإنها تتلاعب بأرواح الأطفال وتسبب لهم مرضاً عصبيا مزمنا مثل التوحد.
  • من أسباب تصنيف بحث الطبيب واكفيلد بالسيء هو إعتماده على عينة من ١٢ طفل مصاب بالتوحد إستنتج فيها إنه بسبب أخذهم لقاح MMR ، وعند تحليل الدراسة من مجموعة كبيرة من العلماء والأطباء تبين إن ٩٠٪ من أطفال بريطانيا تم تلقيحهم خلال فترة الدراسة وإن الأطفال ال ١٢ المصابين بالتوحد قد تلقوا ذات اللقاح لذلك كان لا بد من أن تتحتوي الدراسة على مقارنة بين من تلقى اللقاح وبين مجموعة أخرى لم تتلقى اللقاح ، وكذلك قام واكفيلد بربط مرض التوحد بوجود أعراض إلتهاب معوي وأيضا بسبب اللقاح وتبين لاحقاً إن هذه الأعراض ظهرت على ثماني أطفال من عينة الدراسة وبعد إصابتهم بالتوحد ، بالتالي ومع هذه النتائج المشبوهة تم سحب الدراسة من السجل العلمي، ولكن واكفيلد لم يتوقف عند هذا الحد بل بدأ بتسخين الشارع العام وقام بإنتاج فيلم وثائقي للتأثير على الرأي العام (10). 

    Dr.Andrew Wakefield


    العلم يثبت براءة اللقاحات

  • نشر تيلور وزملاءه في مجلة لانست Lancet عام ١٩٩٩ دراسة مميزة جاءت رداً وافياً على نشره وايكفيلد  (11) ، شملت الدراسة ٤٩٨ طفل، وهؤلاء الأطفال كان ٢٦١ مصاب بالتوحد و ١٦٦طفلاً مصاب بأعراض تشبه التوحد و ٧١ طفلاً مصاب بمتلازمة إسبرجر Asperger’s syndrome وهو مرض تشبه أعراضه التوحد من ضعف قدرات التواصل والنطق .
  • وقد أوضحت هذه الدراسة إن النسبة المئوية بين الأطفال الذين تلقوا تطعيم من المصابين بالتوحد وبين الأطفال الطبيعين في نفس المنطقة التي شملتها الدراسة ، وكذلك الحال بين من لم يتلقى التطعيم بين المصابين بالتوحد ، وكذلك وجد تيلور بإنه لا يوجد فرق في عمر تشخيص التوحد لدى الأطفال الذين تعرضوا للتطعيم والذين لم يتعرضوا للتطعيم والأهم في كل هذا ظهور الأعراض لم تأتي بعد شهر أو إثنين أو ستة شهور من التطعيم الثلاثي MMR ، وهنا يؤكد تيلور إن ما طرحه وايكفيلد لا أساس أو ترابط علمي فيه ومن الجدير بالذكر إن الدراسة حصلت على المواليد ما بين عامي ١٩٧٩ و ١٩٩٨.
  • توالت الدراسات بعد تايلور وزملاؤه ، العديد من الدراسات والمراجعات العلمية أكدت أن العلم والبحث العلمي هو الفيصل في دحض أي إشاعة  وإن المنهج العلمي جاهز لخوض مئات التجارب لإثبات الحقيقة كما هي وحماية البشر من المخاطر التي ستلحقهم جراء ترك المطاعيم.  في ٢٠١٤ صدر بحث مهم جداً درس عينة  شملت أكثر من مليون طفل (12) وكذلك  في عام ٢٠١٥ صدرت دراسة أمريكية درست ١٠٠ ألف أطفال أخوة ، وفي كلا الدراستين السابقتين تم نفي وجود علاقة بين اللقاح والإصابة بالتوحد (13)
  • أخيرا جميع الدراسات الجينية وتوقيت ظهور أول أعراض التوحد وعلاقة المرض باللقاح والتطووات غير الطبيعية في الجهاز العصبي لمريض التوحد وغيرها تدل على إن مرض التوحد يحصل خلال عملية تطور الجهاز العصبي للجنين الرحم ومن الجدير بالذكر إن للقاحات مضاعفات جانبية تتفارت بين شخص وأخر ولمزيد من المعلومات عن كافة المطاعيم وأعراضها الجانبية لا بد من الإطلاع على المعلومات المهمة في موقع منظمة الصحة العالمية (12) ، وبسبب المجموعات الداعمة لحملات عدم التطعيم أصدرت بريطانيا تقريرا بتزايد عدد الإصابات بالحصبة وذلك من خلال حصول عدوى ضمن مهرجان موسيقي ضخم (13) وسجلت حالات إصابات عديدة متفرقة في الولايات المتحدة الأمريكية جراء الإنتشار الواسع للمعلومات الخاطئة عن علاقة اللقاح بالإصابة بمرض التوحد مما تزايد عدد الرافضين لأخذ اللقاح (14)

هذا التقرير منتج في إطار مشروع الصحافة العلمية «العلم حكاية» الذي ينظمه معهد جوته، والهيئة الألمانية للتبادل العلمي (DAAD) وبدعم وزارة الخارجية الألمانية.

مصدر1
مصدر2
مصدر3
مصدر4
مصدر5
مصدر6
مصدر7
مصدر8

مصدر9
مصدر10
مصدر11
مصدر12
مصدر13

مصدر14

عن الكاتب

Moath Al Thaher

Loading Facebook Comments ...
error: This Content is protected you can\'t copy any text from it :(